بالرغم من كل الملابسات فيما يتعلق بالحرب الدائرة بين إيران من جانب، و من جانب أخر كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أو قل (إسرائيل والولايات المتحدة وبهذا الترتيب)، فان الكيان الصهيوني هو المستفيد الأول والأكبر من نتائج هذه الحرب، وهو ما يفتح الباب لدراسة ومناقشة أطماع الكيان في المنطقة كلها، والتي ستكون حلقات مفتوحة في السنوات المقبلة.
وفي نفس الوقت ثبت بالدليل القاطع أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو رجل حرب، ولا يحمل أي شكل من أشكال السلام كما يدعي، بل إن الدماء تفوح رائحتها بالحرب، ولا يعنيه أى استقرار في الشرق الأوسط والعالم.
والدليل على ذلك هو تصريحاته صبيحة اليوم الثالث للحرب بقوله "لقد نلت من المرشد العام الخميني" وهو ما يعني أن الفترة التي سبقت الحرب والمفاوضات التي استضافتها العاصمة العمانية مسقط، ما كانت إلا تمثيلية من أمريكا لتحديد أكبر للأهداف من الحرب، وتنسيق أوسع مع الكيان المحتل لخوض حرب تم اتخاذ القرار فيها، لتدمير أيران نظاماً وعسكرياً وهو مقومات القوة.
ومن الواضح أن إسرائيل هي صاحبة القرار في هذه الحرب وغيرها، وأنها الأقوى في السيطرة على القرار الأميركي، وصاحبة المصلحة في عدم استقرار المنطقة، والسعي إلى محاولات إخراج إيران من دائرة الصراع في الشرق الأوسط، وتصفية كل قوى المقاومة المدعومة من طهران.
القرار الأمريكي جاء بإيعاز من الجانب الإسرائيلي وضغط منه والتكتلات الداعمة للكيان المحتل في الولايات المتحدة، ولا يعنيهم موقف الدول التي تدخلت لنزع فتيل الحرب، وتوسطت من أجل سلامة أرواح الشعوب، ومنها سلطنة عمان، والتي وجدت نفسها في مواقف تُحسد عليها، مع نشوب الحرب صبيحة يوم السبت 28 فبراير 2026.
نتائج العدوان الأمريكي الإسرائيلي تؤكد أنه لا توجد خطوط حمراء في الإستهدافات من وراء هذا الحرب "الأمريكصهيونية"، والتي أسفرت عن اغتيال العديد من قيادات إيران، مع توقعات بمزيد من الضحايا.
ذهبت كل التوقعات عن أي بوادر سلام في الشرق الأوسط على أيدي الأمريكيين ورئيسهم دونالد ترامب، فليس هناك أي شيء يحمل دلائل على دور أمريكي جاد في ملف السلام، بدليل أن واشنطن في عهد ترامب غيرت وزارة الدفاع إلى وزارة "حرب"، بما يحمل هذا الاسم من معانٍ خطيرة، وظلت على مدى الشهور الماضية عمليات تزويد تل أبيب بالكثير من أنظمة الدفاع والمعدات العسكرية، والتي تستمر حتى اللحظة.
وكيف لدولة مثل أمريكا، تستحوذ على 37% من الإنفاق العسكري العالمي بما يقارب ترليون دولار سنويا، (999 مليار دولار وفق أحدث الأرقام)، وبتركيز على أنظمة الدمار، وتطوير غير مسبوق في التطوير العسكري المحلي، والذي لا يتم تصدير رصاصة منه إلى خارج الولايات المتحدة، سوى لإسرائيل دون غيرها، وهي المستثناة من كل شيء، بفضل دعم وضغط اللوبي اليهودي.
محور "ترامب – نتنياهو" وأي محور "أمريكي إسرائيل"، يرى أن إيران في ظل نظامه الحالي هو الخطر الأكبر على تل أبيب ومصالح واشنطن في المنطقة، وبالتالي فإن التخلص من هذا النظام هو الباب لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة وفق مصالح هذا المحور دون غيره، وأي حرب دون تحقيق ذلك لن تجدى، وهو ما يتطلب الوعي لهذا الخطر عربياً وإقيلمياً.
ولا شك أن مصالح المنطقة مع إيران تختلف عن مصالح محور (أمريكا – إسرائيل)، فبالرغم من وجود اتفاقيات سلام وتطبيع مع الكيان المحتل فمازال هو العدو الرئيسي للجميع، وأطماعه لم ولن تنتهي في العديد من دول المنطقة، والذي أصبح أمراً لا يخفيه أحد، وهو ما يروج له رئيس وزراء الكيان، وأعلنه مسؤولون ودبلوماسيون أمريكيون.
أتفق مع ما يقال عن أهمية وجود إيران كقوة عسكرية في المنطقة، فخسارة المنطقة للعراق وسوريا كقوى عسكرية مسألة مؤلمة، وزادت من أطماع الكيان المحتل في بلادنا، وفتح أطماعاً أوسع للولايات المتحدة لدعم إسرائيل، وبالتالي فخسارة إيران وضياعها كقوة عسكرية، سيترك ضررا كبيراً على دول المنطقة بشكل كبير، لن يظهر إلا بعد سنوات وعلى المدى البعيد، ويفتح المجال أمام الكيان المحتل نحو المزيد من الأطماع.
الخطأ الكبير في العدوان الأمريكي الإسرائيلي لإيران، هو خطأ رد طهران بإدخال دول الخليج طرفاً في الحرب، وتوجيه ضربات عسكرية، منها صاروخية وبطائرات مسيرة على منشآت في دول الخليج العرب، وهو ما تسبب في موجة غضب، قد تؤدي إلى تقليص وربما زوال التعاطف العربي مع إيران في حربها مع أمريكا والكيان المحتل.
مبررات طهران فيما تفعل لم تكن موفقة على الإطلاق خصوصاً في جانبها العملي، فقد أصابت ضرباتها العسكرية منشآت مدنية، ولم تصل بشكل أدق المصالح الأمريكية، وإن كان هذا عليه خلاف شديد، لأن المنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة، يراه البعض أنها منشآت على أرض عربية، وجزء من بلدان المنطقة، ولا يمكن تصنيفها على أنها منشآت أمريكية خالصة.
الخطأ الإيراني، يندرج تحت بند ما يمكن تسميته بالعشوائية في اختيار الأهداف، وبدوره سيؤدي إلى نتائج سلبية، على مصالح طهران ليست من الدول المعتدي عليها فقط، بل من العديد من الدول في محيطنا العربي.
الحرب الحالية والتي بدأت بعدوان أمريكي – إسرائيلي، على إيران وبغض النظر عن نتائجها النهائية، ستفرض متغيرات جديدة كلياً على المنطقة كلها، وخصوصاً الدول العربية والخليجية منها، وتتطلب سرعة تقييم لا تنحصر في جوانبها الاقتصادية فقط بل في جوانبها العسكرية، بما في ذلك تعزيز مفهوم التطوير العسكري القائم على المحلية، ودراسة التغيرات في الإستراتيجيات الإسرائيلية والأمريكية لأطماعهم في منطقتنا، والسؤال هل نحن مستعدون؟، وإن لم نكن يجب أن نرفع ونعزز مفاهيم الاستعداد.
--------------------------------
بقلم: محمود الحضري






